سيد محمد طنطاوي

428

التفسير الوسيط للقرآن الكريم

إليك لنعذر فيك ، وإنا واللَّه ما نعلم رجلا من العرب أدخل على قومه ما أدخلت على قومك ! ! لقد شتمت الآباء ، وعبت الدين . وسفهت الأحلام ، وشتمت الآلهة . . . فإن كنت جئت بهذا الحديث تطلب مالا ، جمعنا لك من أموالنا حتى تكون أكثرنا مالا ، وإن كنت تطلب شرفا فينا ، سودناك علينا ، وإن كنت تريد ملكا ملكناك علينا . . . فقال لهم رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم ما بي شيء مما تقولون ، ولكن اللَّه بعثني إليكم رسولا ، وأنزل على كتابا ، وأمرني أن أكون بشيرا ونذيرا ، فبلغتكم رسالة ربي ونصحت لكم ، فإن تقبلوا منى فهو حظكم من الدنيا والآخرة ، وإن تردوه على أصبر لأمر اللَّه - تعالى - حتى يحكم بيني وبينكم . فقالوا له يا محمد : فإن كنت صادقا فيما تقول ، فسل لنا ربك الذي بعثك ، فليسير عنا هذا الجبل الذي قد ضيق علينا ، وليبسط لنا بلادنا ، ويفجر فيها الأنهار ، ويبعث من مضى من آبائنا ، فنسألهم عما تقول أحق هو أم باطل . . وسله أن يبعث معك ملكا يصدقك ، واسأله أن يجعل لك جنانا وقصورا أو كنوزا من ذهب وفضة . تعينك على معاشك . فقال صلى اللَّه عليه وسلم ما بعثت بهذا . فقالوا : فأسقط السماء - كما زعمت - علينا كسفا . . . وقال أحدهم : لا أومن بك أبدا ، حتى تتخذ لك سلما إلى السماء ترقى فيه ، ونحن ننظر إليك . . فانصرف صلى اللَّه عليه وسلم عنهم حزينا ، لما رأى من تباعدهم عن الهدى ، فأنزل اللَّه عليه هذه الآيات تسلية له . . . » « 1 » . والمعنى : وقال المشركون الذين لا يرجون لقاءنا لرسولنا صلى اللَّه عليه وسلم يا محمد : * ( لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ ) * ونتبعك فيما تدعونا إليه . * ( حَتَّى تَفْجُرَ لَنا مِنَ الأَرْضِ يَنْبُوعاً ) * أي : حتى تخرج لنا من أرض مكة القليلة المياه ، * ( يَنْبُوعاً ) * أي : عينا لا ينضب ماؤها ولا يغور . يقال : نبع الماء من العين ينبع - بتثليث الباء فيهما - إذا خرج وظهر وكثر . وقرأ بعض السبعة * ( تَفْجُرَ ) * بالتخفيف - من باب نصر - وقرأ البعض الآخر * ( تَفْجُرَ ) * بتشديد الجيم ، من فجر بالتشديد ، والتضعيف للتكثير .

--> ( 1 ) راجع تفسير ابن جرير ج 15 ص 110 وتفسير ابن كثير ج 5 ص 115 وتفسير القرطبي ج 10 ص 328 .